السيد الطباطبائي
20
الإنسان والعقيدة
سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها « 1 » . وهي مع ذلك تفيد أنّ الأمر في تنزّله ذو مراتب ، فإنّه سبحانه أخبر عن أنّ التنزّل بينهنّ . فللتنزّل نسبة إلى كلّ واحدة منها ؛ لوقوعه من عال إلى سافل حتّى ينتهي إلى آخرها فيتجاوزها إلى الأرض ، وهو قوله سبحانه : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ « 2 » . وهذه حال الأمر بعد تقديره بالقدر والمقادير ومحدوديّته بالحدود والنهايات ، كما قال سبحانه : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً « 3 » . وهناك وجود أمري غير محدود ولا مقدر ، ينبئ عنه قوله سبحانه : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ الآية « 4 » . حيث أفاد أنّ لكلّ شيء من الأشياء وجودا مخزونا عنده سبحانه ، وأنّ تنزّله إنّما هو بقدر معلوم ، والآية حيث تفيد أنّ التنزّل يلازم التقدير بالمقدار أفادت أنّ الخزائن التي من كلّ شيء عنده سبحانه وجودات غير محدودة ولا مقدّرة ، فهي من عالم الأمر قبل الخلق . وحيث عبّر سبحانه بلفظ الجمع المشعر بالكثرة ، فلا بدّ أن يكون الامتياز بين أفرادها بشدّة الوجود وضعفه ، وهو : المراتب دون الامتياز الفردي بالمشخّصات مثل الأفراد من نوع واحد ، وإلّا وقع الحدّ والقدر . وقد أنبأ سبحانه أن لا قدر قبل التنزّل ، ففي هذا القسم من الموجود الأمري غير المحدود أيضا ، مراتب واقعة . وليس التنزّل عن هناك كيفما كان بالتجافي وتخلية المكان السابق بالنزول إلى
--> ( 1 ) سورة فصّلت : الآية 12 . ( 2 ) سورة السجدة : الآية 5 . ( 3 ) سورة الأحزاب : الآية 38 . ( 4 ) سورة الحجر : الآية 21 .